الشيخ عبد الغني النابلسي
218
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
وإذ علمت أنّ اللّه راعى هذه النّشأة وإقامتها وإدامتها فأنت أولى بمراعاتها إذ لك بذلك السّعادة ، فإنّه ما دام الإنسان حيّا ، يرجى له تحصيل صفة الكمال الّذي خلق له . ومن سعى في هدمها فقد سعى في منع وصوله لما خلق له . وما أحسن ما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ألا أنبئكم بما هو خير لكم وأفضل من أن تلقوا عدوّكم فتضربوا رقابهم ويضربوا رقابكم ذكر اللّه » . وذلك أنّه لا يعلم قدر هذه النّشأة الإنسانيّة إلّا من ذكر اللّه الذّكر المطلوب منه ، فإنّه تعالى جليس من ذكره ، والجليس مشهود الذاكر ومتى لم يشاهد الذّاكر الحقّ الّذي هو جليسه فليس بذاكر . فإنّ ذكر اللّه سار في جميع العبد . لا من ذكره بلسانه خاصّة . فإنّ الحقّ لا يكون في ذلك الوقت إلّا جليس اللّسان خاصّة ، فيراه اللّسان من حيث لا يراه الإنسان بما هو راء . فافهم هذا السّرّ في ذكر الغافلين . وإذا علمت يا أيها السالك أن اللّه تعالى راعى ، أي اعتبر شرعا هذه النشأة ، أي الخلقة الإنسانية وإقامتها أي إبقاءها واستدامتها حتى يكون اللّه تعالى هو الذي يحل نظامها ويفض ختامها فأنت يا أيها السالك أولى بمراعاتها ، أي المحافظة على حقوقها ، لأنك المندوب إلى ذلك والمشار عليك به إذ ، أي لأنه لك بذلك ، أي بسببه السعادة في الدنيا والآخرة لأنك راعيت حكم ربك وقمت بما ندبك إليه فإنه ، أي الشأن ما دام الإنسان حيا في هذه الدنيا فإنه يرجى بالبناء للمفعول له ، أي لذلك الإنسان تحصيل صفة الكمال الإنساني الذي خلق هذا الإنسان له ، أي لأجل تحصيله وهو معرفته بربه وقيامه به عن كشف وشهود وكل من سعى في هدمه ، أي هدم بنيان الإنسان فقد سعى في منع وصوله ، أي الإنسان لما خلق ، أي خلقه اللّه تعالى له من تحصيل صفة الكمال ويصير قاطعا عليه طريق احتمال الوصول إلى حضرة ذي الجلال . قال تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها [ البقرة : 114 ] ، وقال تعالى : أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى ( 9 ) عَبْداً إِذا صَلَّى ( 10 ) أَ رَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى ( 11 ) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى ( 12 ) أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 13 ) أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى ( 14 ) [ العلق : 9 - 14 ] .